عبد الملك الجويني

328

نهاية المطلب في دراية المذهب

الضرورة كلامٌ سيأتي مشروحاً ، إن شاء الله تعالى . فالتداوي الذي يتلقى من الأطباء في غالب الأمر لا يبلغ هذا المبلغ قطعاً . والبصير المتبحّر في الطب لا يجزم قضاءً على المريض . وهو المعني بقول بقراط : " التجربة خطر والقضاء عسر " ( 1 ) . والمراد أن القضاء بماهية المرض ثم بعلاج ناجع فيه عُسر ؛ فإن صناعة الطب أسندها مُسندون إلى التجارب ، وهي مُخطِرة ( 2 ) ، مع اختلاف القوى والخَلْق ، والعاداتِ التي سبقت المرور عليها ، وأسندها المحققون إلى القياس ودَرْكه ، والاطلاع عليه أعسر مُدركاً من كل معضل في المدارك ، فكيف يتحقق القضاء من الطبيب على بتّ هذا ، والحذّاق مجمعون على إقامة الأبدال في الأدوية ، وقد صنف فيها العاري ( 3 ) كتاباً معروفاً . ثم إن تحقق ما ذكرناه - وهيهات - فالحكم بأن ينفع [ ويُدِرّ ] ( 4 ) العافية لا سبيل إليه ؛ فإن التعويل على القوة ، وهي خوانة تخون ، فلا سبيل - والحالة هذه - إلى إطلاق القول باستعمال الأعيان النجسة ، فإن فُرض ظهور الحاجة ، وغلبةُ الظن بالنفع ، فيجوز استعمال الميتة في هذه الحالة ، وقد قدمنا من كلام الأئمة أن الخمرة تستعمل حيث يحل تعاطي الميتة ، فلا معنى لوضع المذهب على الفرق بين الخمر وغيرها . ومما قَضَّيت العجبَ منه أن المتأخرين أوردوا حديثاً ولم يعوه ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن التداوي بالخمر ، فلم يجب عنها بل قال : " لم يجعل الله

--> ( 1 ) معنى عبارة بقراط كما فسرها الغزالي في البسيط : " إن الحكم بالشفاء عسير ؛ فإن مستنده التجربة ، مع اختلاف القوى والخلق ، والقياس ، والعثور على حدّ العلة ، ثم على الصلاح ، ثم الحكم بقبول الطبيعة للشفاء ، أمور موهومة ، فهذا يقتضي المنع من الخمر " ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 140 يمين ) . ( 2 ) مُخطِرة : أخطرتُ المال ( إخطاراً ) جعلته ( خَطَراً ) بين المتراهنين . ويقال : بادية مخطِرة : كأنها أخطرت المسافر ، فجعلته ( خطراً ) بين السلامة والتلف ( المصباح ) فالمعنى أن المتداوي بين السلامة والتلف ، وليس مقطوعاً بتأثيره وفائدته . ( 3 ) كذا . ولعلها مصحفة عن ( الفارابي ) . ( 4 ) في الأصل : " ويدرأ " . ويُدرّ العافية : أي يستخرجها ويجلبها .